حوار جمعي حول الكتابة

Voir le sujet précédent Voir le sujet suivant Aller en bas

حوار جمعي حول الكتابة

Message par Admin le Sam 23 Juil - 8:22

الكتابة تغزو حياتنا اكثر فأكثر، بعد أنْ كانت حكرا على البعض، اصبحت اساسَ المعرفة التي يتوجب على الجميع امتلاكها، و اصبح المفتقرون اليها يشعرون بالتهميش في مجتمعاتنا التي تعتمد على التواصل و و وسائط الاتصال اكثر فاكثر…لكن لماذا نكتب؟
كتبت “اليخاندرا بيزارنيك”: طول اللّيْل اكتب بحثا عن الذي يبحث عنّي
حرفا حرفا اكتب الليل
اكتب ضد الخوف
ضد الريح بمخالب تعشش في انفاسي.

اما أنا فكتبت متسائلة: هل الكتابة ملامح و أقنعة و وجوه قد تكون بهية مشرقة و قد تكون مليئة بالبثور، قد تكون مغرقة في الغموض كالتعاويذ أو الهلوسة، قد تكون تشخيصا شديد الصدق للمجتمع أو الذات.
رفعت سؤالي الى اقلام عُرفت بعذوبتها و قوة لمحاتها و شاعرية التقاطاتها، فتنوعت الردود…لنتابع:

قلولي بن ساعد، قاصّ و ناقد جزائري، اجاب فأوفى بمقالة تنضح فكرا و تأمّلا :
الكتابة مكابدة واشتغال على النّص والموهبة وحدها لا تكفي الكتابة فيما أراها، وأنا أعني هنا الكتابة الإبداعية التي تعني التفرد والمكابدة والاشتغال على النص من دون الاعتماد فقط على الموهبة وحدها أو التسليم الأعمى المطمئن للموتيفات و التنميطات الجاهزة المعطاة قبليا في إطار التجربة الإبداعية السياقية التي استنزفت كل إمكانات قدرتها على إنتاج المعنى والدلالة لاعتمادها على” الثابت” بتعبير أدونيس كمعطى إبداعي لا يراهن سوى على المطمئن من الصور الجاهزة و اللغة التي لا ترضي سوى غرور القارئ النمطي المتعود على نحو خاص من النماذج الإبداعية التي يغلب عليها التحقيب المدرسي و قواعد الأغراض الإبداعية والشعرية و المفاضلة و “الوساطة “المتخاصم حول حدود شعريّتها التي تؤدي كما يقول الشاعر محمد بنيس إلى “اضطراب المتخيل الذي كان مطمئنا إلى المنظور المحدد باتجاه يسعى إلى قلب هذا المتخيل و اختبار حيوية القراءة ” تكمن أساسا في إبداع رؤى جديدة وأسئلة جمالية و أنماط أسلوبية مغايرة للسائد والمستتب لتبدع صلات نوعية من ” الإنتاجية النصية ” بتعبير جوليا كريستيفا مع مختلف النصوص الإبداعية و الأنواع الأدبية السريعة التحول هي الأخرى ضمن حوارية مثمرة و بناءة في اتجاهاتها التجريبية عبر انفتاحها على أسئلة الوجود والذات والتاريخ تأخذ بالتنوع الحاصل على مفاهيم تلقي النص واختبار قدرته على الذهاب بعيدا صوب هندسة المعنى وتفكيك الأسس العائمة التي درجت عليها مفاهيم الكتابة الإبداعية المطمئنة لدالّ أو مرجع معين كتصور ما قبلي للنصّ أو كسياق نصوصي وصل إلى آفاقه المسدودة. هذا هو في اعتقادي، رهانها والأفق الذي لا بد أن تبلغه بالنسبية الممكنة طبعا من دون وثوق أو توهم يحول بينها وبين مزيد من الاختراق الشكلي والنقد والمراجعة أو ” الإزاحة والإحلال ” بالمعنى السيميائي الشهير.

الصحفية ليلى بارع، لم تتلكّأ في الردّ بشاعرية تليق برهافتها :
الكتابة اعادة ترتيب الواقع كما نراه وكما نرغبه و اكتب لأن الكلمات لا ترغب بالبقاء حيث هي …واكتب لأنني احببت دائما ان اقبض على الضوء الهارب مني
واكتب حتى اشعر بأنني على قيد هذه الحياة…ولأسباب كثيرة اخرى.

لبيبة خمار الناقدة التي نبشت في الأدب الرقمي ، و حلّلت ترابطاته و فكّكَت تشابكه، قالت بما قلّ و دلّ :

لحظة صدق واستغوار للذات والآخر، لحظة مكاشفة فيها تلامس الأنا عوالم صوفية حبلى بالأخيِلة المجنحة وباللون الذي به ينقشع الظلام ، لحظة عشق للحبر المنسكب على البياض عشقا وامتلاء، لحظة حقيقة صارخة وأياد ممتدة بآلاف الوعود، لحظة قدسية بها نطأ براحا واسعا : هو الجنة
لحظة بها نعلو ونصفو ونصير كملائكة الرحمن وإن كنّا في الواقع مجرّد فقاعات.

بعدها جاء ردّ الصحفي فؤاد زويريق المغترب بهولندا، بكلمات لها نكهة فلسفية :

في بعض الأحيان ينتابني شعور بأنني أكتب من أجل مشاكسة الواقع بل وقمعه أيضا، خصوصا انني أعيش في واقع بعيد كل البعد عن واقعي الحقيقي المتماهي مع ذاتي، أعيش الكتابة لتفريغ أحاسيسي وذكرياتي في قوالب لغوية، لا يهم كيف هي بقدر ما يهمّ كيفية تجسيدها للحمولة العاطفية التي تحتويني بعيدا عن الوطن الذي منه انبثقتُ وفيه ترعرعت، وتصويرها للملامح البنوية المشكلة للحياة الجديدة الذي أعيشها، هي إذاً فلسفة ذاتية خاصة نابعة من العلاقة المتلازمة بين الذات الداخلية والواقع الخارجي الذي يؤثر فيها بكل تأكيد، فلسفة قد لا تعني شيئا للبعض لكنها تعني لي الكثير وهذا هو المهم ، فكما قلتُ ذات حوار: الكتابة بالنسبة لي آلام ومعاناة وجروح لا تختزلها الحروف ولا الكلمات، هي دماء على شكل مداد يسكب لتفريغ الذات من مكبوتاتها، الكتابة هي صومعة الكاتب فيها يختبئ، فيها ينزوي، فيها يتعبد ويعتكف، طلبا للتواصل الروحي مع ذاته أولا، قبل الآخر، الكتابة سهم يخرج من القلب ليخترق قلبا آخر، هي عبادة وليست مهنة كما يظن البعض، لها أركان خاصة بها اذا سقط ركن واحد منها بطلت وفسدت، بل لها طقوس تميزها وقدسية تسمو بروحها.

علية الادريسي البوزيدي شاعرة لها “حانة لا يأتيها النبيذ” و “هواء طويل الأجنحة كعادتها في الكتابة، جاء ردها مختزلا مكثفا، ضاقت عباراته فاتسع معناه على رأي ابن عربي:
الكتابة تشبه باقة ورد تستدعي منك وقتا أطول لتوضيبها ولا تتخلص منها إلا بعد إقامة علاقة معها وتحتسي تعبها بمتعة إخلاف الوعد …هي عودة لداخل يودّ إخبار الكون بمشاعر حقيقية وربما حالمة تتوقع مجيئك لمغادرة أصدقائها المنافسين…الكتابة تدريب على الحياة.

الناقد الشاعر محمد معتصم، تعمق في السؤال فأبدع:
الكتابة ليست مرآة الواقع أو السرير الذي تتأرجح عليه الذات المهمومة، فحسب، بل هي عندي وجود يوازي الحقيقة والواقع في تنوعهما وتعددهما، وهي في الوقت ذاته، لا وعي المجتمع، أي انها مجموع الأحلام الكبرى التي نسميها طموحا، لكنها أحلام كابية غالبا وأحلام وردية أحيانا، لا تتحقق في الواقع لكنها تتراكم كالحجارة في قعر الوادي وتتحين الفرصة لتصل إلى الشاطئ، بر الأمان، كما يقال، تصل إلى من يستطيع فك رموزها، أي تأويل علاماتها تأويلا يكشف عن جوهر الذات وجوهر الوجود… الكتابة، هي ما يحمينا من التلاشي والضياع. لا تحتمل الكتابة الغموض، لأن ما يسمى غموضا ليس سوى مظهر من مظاهر تجلّيها. الكتابة فعل إيجابي أولا، لكنه قد يكون قناة جيدة لقول ألم الإنسان في صراعه الدائم مع الوجود، ولقول مأساة اللا توافق أو سوء الفهم بين مظهر الكتابة وجوهر الوجود/ حقيقته الأولى. ومع ذلك منجز الكتابة قد لا يكون واحدا، بل يتعدد بتعدد تجارب الكتاب، ويتنوع باختلاف ثقافاتهم، هناك من يكتب لأن حقيقته في فعل الكتابة، وهناك من يكتب لأنه يريد أن يكتب، وهناك من يكتب لأنه لا يعرف ماذا يصنع بالكلام الذي يملأ حنجرته كغصة. إن الكتابة عالم من الجمال والأسئلة العميقة التي تحفر في تربة صلبة، وكما لها تجلياتها الحقيقية لها كذلك صورها المنسوخة والممسوخة في آن. سؤال الكتابة كان دائما سؤالا مقلقا.

احمد الكبيري، كاتب قال عنه السوسيولوجي عبد الرحيم العطري بأنه: * ينحاز للهامش المقصي ، وينتصر للبساطة و الضوء العميق*. جاء ردّه كالشهقة بها نحيا او نموت:
“الكتابة هي شهقتنا الأخيرة” الكتابة هي الحقيقة والخيال. هي التعبير عن الذات والغوص في تفاصيلها الصغيرة لقول باقي الذوات. هي موقف من الحياة برمتها. موقف مؤجل لم نستطع لعجز أو إكراه ما أن نصدع به في الحين. هي التعدد في حيوات وعوالم لا يمكن تحققها أو تمثل البعض منها إلا عبر الكلمات. الكتابة هي سيرة حب فاشلة وأخطاء فادحة وقدر أعور موشومة آثارهم منذ الأزل في صفحات روح قلقة. الكتابة رسالة نكتبها كفرض يومي ونبعث بها إلى من يهمهم الأمر، كي نظل على قيد الحياة. الكتابة هي شهقتنا الأخيرة لغد لن نحياه قبل أن تسقط ورقتنا من شجرة الحياة وتدروها الرياح وتدوسها الأقدام. الكتابة هي البخار المتصاعد من غليان داخلي تعيشه نفس قلقة بصمت ولا يراه أحد. الكتابة ليست رهانا على شيء لكن فيها تتحقق الخسارات الفادحة. هي كزقزقات عصافير كثيرة بين أغصان شجرة وارفة، تسمع السمفونية لكنها لا تعكس الظلال. هكذا أفهم الكتابة وهكذا أعيشها.

عبد الرحيم جيران، ناقد ساهم في إحداث نقلة في النقد العربي، بالمرور من تقليد الغرب، والتجارب إلى المساهمة في الإنتاج النظري السردي، دثّر جوابه بما يليق به من وعي اكاديمي:
يتخايل لي أن الكتابة نداءٌ وجوديٌّ وميتافزيقيٌّ بالدرجة الأولى، فهي من جهة محاولةٌ لمجاوزة نقص العالم، وعدم كفايته. ولا يحدث فعلها إلا في ضوء السعي إلى القبض على الكلّ الذي يتخفّى وراء شتات هذا العالم،. وتعدّ- من جهة ثانية- خلقًا للعالم من جديد. وتمثل غاية هذا الخلق في تلبية النداء من حيث هو بحثٌ عن الكلّ الذي بإمكانه أن يسمح لنا بفهم الذات من حيث هي منتميةٌ إلى عالمٍ لا يستجيب إلى رغبتها في الإمساك بالوحدة التي توفِّر لها إمكان تحقيق التوافق المطلوب بينها والطبيعة والأشياء.
تعددت الاجابات و تضمنت دورانا حول الذات لاكتشافها و فهمها كمدخل لاكتشاف العالم و فهمه و تجميله و ترويضه، في شبه اجماع على أنّ الكتابة نضال او صراع ضد القلق من الموت و الوحدة، و على رأيِ”اندريه هاردليت” : “تسطير الحروف لدفعهما و تحييدهما ليس اسوأ الطرق المبتكرة من طرف الانسان”

لكن كيف بدأت الكتابة؟ سؤال بسيط لم نتعود طرحه للتذكير بمسيرة الحرف عبر الحقب و الحضارات .
ايلسا تريوليت تصف الكتابة بأنّها اكبر اكتشافات الانسان، هذا الكائن الذي بدأ بالغرافيتي على جدران الكهوف و المغارات و على الصخور في الزمن الباليوليثيكي ربما كطقوس للصّيد، قبل ان يمرّ الى كُرات و لوحات الطّين لتسهيل معاملاته التجارية في سوريا منذ حوالي عشرة ألاف سنة، الى ان جاء حاكم سومريّ فكر ف تدوين غزواته في نصّ
طويل سنة 2400قبل الميلاد. و في سنة 2000 قبل الميلاد استعملت الكتابة لأهداف قانونية
و في الكتابة الادبية و قد كانت الكتابة تمزج بين رموز الاشياء و رموز الأصوات. و في الحضارة الميزوبوتامية استُعمل البيكتوغرام الى جانب رموز فونوغرامية و رموز رقمية انتشرت في انحاء الشرق الاوسط عند السومريين و الاكاديين و البابيليين و الاشوريين. أمّا المصريين فلم يعتمدوا الواح الطين بل اعتمدوا البابيروس و الخشب و جدران المعابد و وطوروا الهيروغليفية حيث كانت رموها تعبر عن اشياء مستعملة في المعاش اليومي ثم صارت كتابة للتوثيق والنصوص الادبية قبل الكتابة السومرية التي ظلت لأمَد طويل تستعمل في وثائق الحسابات فقط…الى ان جاءت الكتابة الاوغاريتية ثم الفينيقية التي استعملها الاغريق ايضا ثم اللاتينية التي انتشرت في ارجاء العالم.كما ظهرت آثار الكتابة الصينية في زمن “شانغ” (1500 الى 1028 قبل الميلاد) التي كانت لها وظيفة دينية في البداية، و صارت لها وظيفة ادارية ثم ادبية.لكنها كلغة، ظلت رسومات لم تتطور ابدا الى احرف هجائية، و قد احصي حوالي 47.043 شكل في قاموس سنة 1716. وفي سنة 1958 عمل “ماو” على تبسيط غرافيك اللغة الصينية بتقليص عدد الخطوط التي تصور حروفها. اما في المكسيك فقد ظهرت الكتابة حوالي 700 قبل الميلاد، و يبدو انّ “المايا” استمدوا كتابتهم من اخرى اقدم منها.
الكتابة بلا شكّ اهمّ تطور عرفه الانسان و الاكيد أنّ الكثيرين لا يعرفون مختلف مراحل نموها و صعوبة تطورها حتى اغنت الانسان عن استعمال الدخان و اثر اليد او اثر الاصابع المضمومة كما في مغارة “شوفيت”منذ 35000 سنة و الرسم للتعبير عن احتياجاته و مشاعره.
لم يكتشف الانسان المعاصر كل لغات من سبقوه، فقد عثر في جزيرة كريت على قرص طيني سُمّيَ “فايستوس” فريد من نوعه يضم سلسلة من الحروف في شكل حلزوني.
عدا هذا القرص هناك “لوحة كورتون” البرونزية التي تضم كتابة قرأها المتخصصون دون ان يفكوا طلاسمها. و هناك 26 “لوحة متكلِّمة” تسمى ” غونكو-غونكو” عثر عليها في جزيرة الفصح لم تفصح بعد عن معانيها الى جانب مخطوطة “فويْنيش” التي تتمنع بدوها على العلماء.
بين رأي ” فيكتور هيجو” الذي قال أنّ ” الكتّاب حرروا اللغة” و رأي “كريسيان بوبان الذي قال:” بيني و بين العالم نافذة تسمح لي الكتابة بكسرها” يضلّ الانسان كوكبا قائما بذاته ساعيا وراء الحرف للخروج من عزلته و ترك بصمة مروره في هذا الكون السائر الى نهايته و تضلّ الكتابة مليئة بالأنثروبولوجيا كما قال “أراغون” .
أخيرا…هل تقدم الكتابة امتيازا على الكلام بما ان اللغة المنطوقة عبارة عن نظام من الرموز تسهل التواصل؟ أعتقد أن الوظيفة الابداعية للكتابة تتطور، ليس بالفلسفة و لا بالعلوم، بل حين يكون فعل الكتابة هدف للكتابة. اذن هل نكتب لنكتب ؟ هل تنتصر الكتابة حين تقرأ القصائد بصوت عال؟ هل تنتصر حين تعود الى ماضيها:الغرافيك بحثا عن شكل نقيّ لمعناها الذي هو الصورة؟ هنا نتذكّر قصائد “بهلوان و شاعر للشاعر Pierre Étaix بيير ايتيكس التي صدرت في مؤَلّف جميل بعنوان داكتيلوغرافيزم ” Dactylographismes كتاب حافل بروح الابداع و الدعابة . نتذكر ايضا كاليغرام ابولينار مع انه لم يكن اوّل من يشتغل على ذاك الشكل من الكتابة إذ نجده عند “رابليه” “و جي اسبوسيتو فاريز”.

*/*/*
اعداد عزيزة رحموني/ المغرب

*=*=*=*=*=*=*=*=*=*=*
Aziza Rahmouni.
Un poème est une image de vie
avatar
Admin

Nombre de messages : 6313
loisirs : peinture/dessin/lecture/et bien d\'autres....
Humeur : joyeuse, le plus souvent.
Date d'inscription : 10/01/2008

http://souzsoleil.sosblog.fr/

Revenir en haut Aller en bas

Voir le sujet précédent Voir le sujet suivant Revenir en haut

- Sujets similaires

 
Permission de ce forum:
Vous ne pouvez pas répondre aux sujets dans ce forum