‬مصحة الدمى مع الناقد محمد رمصيص

Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet

Voir le sujet précédent Voir le sujet suivant Aller en bas

‬مصحة الدمى مع الناقد محمد رمصيص

Message par Admin le Sam 12 Déc - 14:00

د.محمد رمصيص


   يواصل القاص أنيس الرافعي مغامراته القصصية بحرقة عاشق وتطرف مناضل راديكالي وهو في ذلك يحتكم لمنطق التجاوز إذ كل تجربة عنده تتجاوز سابقتها وليس لديه نص نهائي‮. ‬قاص دائم التشطيب والمحو لما سبق إذ يمكن القول أن تجربته القصصية تمني النفس بعدم الوصول إلي نقطة النهاية‮. ‬متخيله في العموم‮  ‬يراهن علي اللايقين ولذلك فهو مقلق وصادم جراء إثارته الدائمة للاستفهام عن صدقية ما يحكي ودسائس سؤال مروياته وبسبب هذا المنزع فهو يهشم صورة القاص الرسولي الذي يوزع الأحلام الوردية‮. ‬إن ما يجعل تجربته‮  ‬القصصية مميزة هو تمرده علي الإقامة الجبرية في نفس الخيمة القصصية منتهيا للتسكع الجمالي كأحد المقومات الأنطلوجية للكتابة لأنه إذا انتهي التسكع ارتفع سر الكتابة‮. ‬بالتسكع يجدد أنيس الرافعي دماء قصصه أمر عايناه في‮ "‬مصحة الدمي"التي كتبت هذه المرة بالصورة والضوء والحواشي والرموز الشاخصة وهو ما اعتبرناه رصاصات إضافية في صدر القصة التقليدية‮. . ‬وباقترافه هذه الآثام الحكائية يكون أنيس الرافعي قد أعاد فتح قارورة العطر القصصي المحظورة صائغا منحوتاته السردية المصرة علي الانفلات من بيت أصابع اليد كلما اقتربنا من القبض عليها‮. ‬

عتبات الأضمومة    

أ-عتبة العنوان‮: ‬
   جاء عنوان أضمومة‮ "‬مصحة الدمي‮" ‬جملة اسمية مبنية في العمق علي مفارقة مضاعفة‮. ‬فهناك مفارقة الموقف الجامعة بين الدمي الفاقدة للحياة والمصحة ذات الخصوصية البشرية‮. .  ‬وعلي خلفية هذه المفارقة الأولي تولدت مفارقة درامية ثانية ناتجة عن النزعة الإحيائية لدي القاص‮. ‬نزعة لم تكتف ببث الحياة في الدمي ولكن حتي في الأماكن المرتادة من طرفها‮. . ‬بحيث يمكننا أن نتمثل ورشات أو معامل حتي لإصلاح أعطاب الدمي لكن مصحة ذات خصوصيات بشرية للدمي فشيء مفارق للواقع وهنا يبدأ اللامتوقع في التشكيل‮ . ‬وعموما الدهشة أساس الكتابة الأدبية والمتخيل المختلف إضافة لكونه يصوغ‮ ‬حقيقته الأدبية بكشف‮  ‬المجهول فينا وتعريفنا علي الآخر الذي يسكننا ولا نعرفه إلا لحظة القراءة أو الكتابة‮. ‬به فقط تتحقق المصالحة مع المفارق والعجائبي‮. ‬
   ب-عتبة اللوحة‮: ‬
   جاءت لوحة الغلاف بدورها محكومة بمنطق الطباق الدلالي وذلك بجمعها لدميتين بتعبيرين متنافرين‮. ‬فدمية مقدمة اللوحة تعبر عن الانزعاج والتأذي من مكروه ما‮ . ‬في خلفية اللوحة دمية ثانية مندهشة لأمر مجهول‮. ‬والترتيب هنا له دلالة عميقة‮. ‬فمقدمة اللوحة‮ ‬غير خلفيتها‮. . . ‬وتقديم الانزعاج علي الغبطة يعني أن الحزن هو القاعدة في واقعنا المغربي بينما الفرح ليس إلا استثناء‮. ‬يقسم اللوحة خط‮ ‬غير مرئي أفقيا وكأني به صفحة ماء أو مرآة الأمر الذي يفسر انعكاس الصورة العلوية للغلاف في الجزء السفلي منها‮. ‬والمرآة بقدر ما تعكس ما في السطح تؤكد معني الفزع والتأذي والاندهاش‮. ‬خارج إطار اللوحة وضع مجسم لدمية‮  ‬من خشب مبتورة الرجل اليمني‮. ‬دمية‮  ‬معدة أساسا لمسرح العرائس بخلاف الدمي العادية الموضوعة للرفقة البشرية‮. ‬يبقي أن نشير إلي أن جديد هذه القصص أنها تفصح عن علاقة الرجل بالدمية وهي‮ ‬غير علاقة المرأة بها وذلك راجع للتنشئة الاجتماعية التي تهيؤ المرأة منذ الصبا للعب دور الحضن الحاضن والمسؤولة الوحيدة عن الرعاية دونا عن الرجل وهي إحدي بقايا التربية المعطوبة للمجتمع الذكوري‮. ‬لكن السؤال هنا‮ : ‬ما علاقة لوحة الغلاف بالعنوان وما علاقتها بنصوص الأضمومة؟هل هي علاقة احتواء أو تجاور أم إحالة فقط؟سؤال سنتحقق منه في صلب المقاربة‮. ‬
ت-عتبة التجنيس‮/ ‬فتوغرام ذحكائي‮. ‬
   تجدر الإشارة بداية إلي أن هذا التجنيس هو اجتراح وتوصيف جديد لا يملك قوة ابرامية علي المستوي النقدي بسبب عدم تداوله في السوق الرمزية للنقد،إذ بالعودة إلي دليل الناقد الأدبي‮(‬1‮) ‬لا نضفر به أو حتي إحالة عنه من بعيد‮. ‬وعموما القاص أنيس الرافعي مولع كما في الكتابة الأدبية بتسمية مجاميعه بتوصيفات جديدة وهو في ذلك يطرح أسئلة مستفزة علي العدة والعتاد النقدي المكرس‮. ‬غير أن هده التجنيسات يلزمها بيانات توضيحية موازية أو كتابات تنظيرية مستقلة لرفع اللبس عنها‮. ‬
ج-عتبة دار النشر‮: ‬
   أثبتت دار النشر المصرية"دار العين للنشر"علي وجه‮ ‬غلاف المجموعة بشكل عمودي وجاء ترتيبها قبل العنوان واسم المبدع‮ ‬،والترتيب مرة ثانية له دلالته‮. . ‬والطبع بمصر يطرح علينا سؤال دواعي هجرة الكتاب المغاربة نحو المشرق‮. .  ‬هل لتسويق منتجاتهم والبحث عن قراء جدد في أفق آخر أم للوضع الاعتباري للسوق الرمزية هناك؟وعموما فالترحال عقيدة راسخة لمسلكيات أنيس الرافعي سواء في الكتابة أو في تنويع نقط النشر‮. ‬علما أن دار النشر وان كانت لها شخصية معنوية فهي مؤسسة تجارية ورمزية كذلك لأنها تقدم سلعة في‮ ‬غاية الخصوصية"الكتاب"هذه الوسيلة التي تصوغ‮ ‬وجداننا وتصاحبنا مدي الحياة‮ . ‬وبالنظر إلي رفعة أسماء الكتاب الذين نشروا في‮ "‬دار العين للنشر‮" ‬ندرك وضعها الاعتباري المميز‮. ‬
د-اسم المؤلف‮. ‬
   آخر ما ورد علي صفحة وجه الغلاف اسم المؤلف أنيس الرافعي وبحجم حروف أقل من حجم العنوان وكأني بلا شعور الكتابة يفصح أن الأثر يقتات من جسد الكاتب‮. ‬كاتب يسمح بأن تحيي الكتابة موازاة تواريه هو‮. ‬والأمر هنا يتجاوز مسألة التوقيع علي نصوص ثم كتابتها بقدر ما أن النصوص تحفر اسم صاحبها وتنتقل بالاسم من العتمة إلي الضوء‮ . . ‬وليس صدفة أن الاسم جاء محاذيا تماما للعنوان لا دار النشر أو التجنيس وكأني بالاسم يحتمي بها‮. .  ‬فالعناوين/الكتب هي الملجأ والملاذ الحامي للاسم من التلف لأنها الضامن لإرثه الرمزي من الزوال‮. ‬الكاتب بهذا المعني يسعد بانمحائه مقابل حياة مكتوبه وعموما فالكتاب المغاربة يموتون مرتين‮. ‬يموتون في الكتابة ويموتون من اجلها‮. ‬
رهانات القصة المضادة
‮ ‬والتخييل المختلف
   
تتصف القصة المضادة بكونها تتغذي بعملية النفي المتتالية‮.  ‬تبني شعريتها علي أنقاض المكرس مغيرة مصادرها الجمالية بدون انقطاع وذلك بتنويع أدوات حكيها‮. ‬ففي مجموعة"مصحة الدمي"حضرت الصور إلي جاني الرموز الشاخصة(رموز الشطرنج‮) ‬والحواشي والإحالات لإضاءة بعض عتمات القص منتجة قصا مشوشا‮ ‬يجمع بين الحكي والسخرية والهذيان والانتقاد‮. ‬قص وعي تماما أنه لم‮ ‬يعد مطالبا بتوفير الفرجة‮  ‬بقدر ما هو معني بقض مضاجع القارئ ونصب الفخاخ الرمزية له‮. ‬دون إغفال لغة المجموعة الخاصة والتي نهضت علي توليفات تركيبية جديدة بين الصفات والنعوت ملتقطة لحظات شعرية مشحونة بالمشاعر الأمر الذي أضفي كثافة حكائية علي القصص‮. ‬أمر‮ ‬يصوغ‮ ‬لنا توصيف أنيس الرافعي بشاعر القصة المغربية جراء تركيز عدسة حكيه علي الغريب والمتنافر مؤسسا لقصة الحيرة والشك متوسلا في ذلك الحدس والضن والاستشراف موظفا هذه التركيبة الحكائية بلغة في‮ ‬غاية الرقة والشاعرية‮. ‬القصة المضادة فضلا عن كل هذا تتمظهر في شكل قلق معرفي وأسئلة حارقة حول الكتابة نفسها حيث‮ ‬غير ما مر سأل سراد أنيس الرافعي المتلقي‮: ‬هل تصدقني وهل أنت في تمام اليقظة لنواصل الحكي كما وقع في قصة"جناح الأورام‮"(‬ص53‮/‬65‮). ‬بل إن التشويش والالتباس‮ ‬يصل مداه عندما انصهر السارد مع بطل القصة وصارا ذاتا واحدة منتجة حكيا هذيانيا‮. ‬إضافة لتدريج الفصيح و تفصيح الدارج حيث قال في ص61‮: "‬لقد طار له الفرخ وأنه مختل آخر فقد سلامته العقلية‮. "‬إن الشخصية القصصية رغم مكرها الحاد عند أنيس الرافعي تلعب بها الأقدار كما لو أنها بيدق رقعة شطرنج‮. .  ‬علما أن رموز الشطرنج الواردة في قصص المجموعة عقدت من لعبة الحكي حيث أن بطل قصة"جناح الأورام"بدأ معافي ورزينا وانتهي مخبولا مسلوب الإرادة وهو مسار سار عكس ترتيب رموز بيادق الشطرنج التي استلهمها القاص برمز الجندي وانتهي بها لرمز الملكة‮ . . ‬تدرج رمزي عشناه معكوسا علي مستوي درامية القصة‮. ‬وبالعودة إلي أساليب الحكي عند أنيس الرافعي صادفنا أسلوب الحكمة وأسلوب الحلقة‮. ‬علما أن القاص ابن‮ "‬ساحة جامع الفنا‮" ‬ساحة الحكاية الشعبية والمرويات التراثية بالمدينة الحمراء(مركش‮) . . ‬حيث قال السارد في ص‮ ‬65‮"‬دعوكم‮ ‬يا سادة‮ ‬يا كرام من الجوارب راجيا أن تصدقون للمرة الأخيرة‮. "‬فضلا عن استثماره للنظرية التوليدية السقراطية بتوسله السؤال المرشد للمعرفة المراد تسويقها‮. ‬يقول في قصة‮ "‬النسيجة‮": "‬من قال أن الدمية فارغة وليس بداخلها أحد‮(. . . )(‬ويجيب في شكل استفهام)ألم‮ ‬يكن جسد الدمية علي الدوام مثيرا لشغب الأحلام المحظورة المشفرة ومهيجا

لغبار الاستيهامات الأشد إثارة‮. ‬تلك الهاجعة بين ظلام العزيزة ودكنة مادون-الوعي؟‮"‬
   القصة المضادة كذلك تراهن علي شعرية القبح وقص الصدمات العنيفة لزعزعة القناعات المتكلسة حول الكتابة القصصية وحدودها،ويتضح ذلك من خلال استدعاء السارد والقاص من خلفه وفرة من الأعمال السينمائية المرئية مستقطرا ذاكرته البصرية بقصد إثراء حكيه فضلا عن توظيفه للحواشي المضيئة لعتمة القص‮. ‬القاص هنا وهو يسرد يتبدي كمحارب يعد سلاحه تماما كما يليق بجندي وهب نفسه فداء للوطن‮. ‬فإما الظفر بالنصر أو الاستشهاد‮ . . ‬ولحيازة هذه الغاية اعتمد سراد المجموعة السؤال والتشكيك والاستفزاز والدحض سائقا إحالات تارة تعلي من قيمة رمز"الدمي‮" ‬وتارة تقلل منه‮. . ‬فهي مرة أداة تجارية ومرات رمز ثقافي استغل لإدانة بن لادن مثلا(الدمية الجاحظة ذات العينين الشيطانيتين ص24‮) ‬ومرات أخري اعتبرت الدمية سببا في هزيمة الألمان لأن هتلر‮  ‬وزع دمي شقراوات علي جنوده‮. ‬دمي أنستهم مهام الدفاع علي حوزة الوطن فألحقت بهم الهزيمة(ص24‮). ‬
   إن الملفت للانتباه حقا في هذه المجموعة هو اتسام حواشيها بنفحة قصصية موظفة أسلوب سير الشخصيات التاريخية‮. ‬فمثلا أثناء حديث القاص عن الدمية"باربي‮"‬،‮ ‬ركزت عدسة الحكي علي شريحتها العمرية كمراهقة طاعنة في الأنوثة دون الحديث عن كونها رمزا تجاريا‮. . ‬وبدل أن تكون الدمية تابعة أضحت متبوعة إن لم نقل معبودة في كل بقاع العالم‮ . ‬هنا إحدي نقط قوة متخيل المجموعة حيث البكماء تكلم البشر والجماد وتوجه الكائن الحي للوجهة الصحيحة‮. ‬تقنيات جعلت من المتخيل القصصي متنا مدهشا وغريبا لأنه لا يلتزم لا بالعقل ولا بالمنطق مرتهنا فقط للجمال والإمتاع وبسبب ذلك انتصر علي ضجر الواقع‮. ‬المتخيل المختلف في هذه الاضمومة يقترح نفسه كحقيقة مشتهاة وبديلة عن حقيقة الواقع وبسبب تشخيصه للرغبات العابرة‮ ‬غدا مصدرا خصب لمعرفة ماهيتنا المغيبة،به وحده نكسر اعتقادنا أننا كائنات واعية تماما يسيرها العقل فقط وتمشي قدما نحو هدف محدد لكن باكتشاف أهمية المتخيل كحيز ضمن أحواز اللاوعي ظهر أن العقل ليس سوي مجرد وهم‮ . ‬وبالعودة إلي متخيل"مصحة الدمي"نجده جامعا للصورة بالكلمة والنص بالإحالة والتخييل بالبحث الرصين‮. . ‬عدة اجتمعت بغاية تحقيق متخيل مشوش وحكي هذياني حيث السارد يتماهي بالشخصية كما في قصة"الغصص"دون نسيان النزعة الإحيائية التي زرعت الروح في الدمي و أضحت فاعلة في الأحداث والوقائع‮. ‬يقول السارد في قصة‮ "‬جناح الأورام"أما الأدهي عندي والذي يستحيل نسيانه علي الإطلاق،فهو تلك النظرة التي كانت تحدجني بها الدمية‮(. . . )‬نظرة لا تطاق ضاعفت من قسوتها تكشيرة الفم،وجعلتها تجوس في أعماقي وتخترقني حتي العظم‮"(‬ص50‮). . ‬وفي ذات الاتجاه يحضر الحكي الهذياني المؤسس علي شعرية الارتياب والشك في كل شيء أمر أطاح بثقة المتلقي كما هو شان قصة"جناح الهلاويس‮" ‬نموذجا‮. ‬أما قصة"جناح الشظايا"فقد اتصفت بطفو وعي القاص علي سطح الحكاية وبالتالي تدمير الإيهام بواقعية ما يسرد‮. ‬كما صادفنا توظيف القاص لسجلات لغوية بعيدة عن حياض الحكي حيث استثمر السراد بسخرية لغة القانون و أساليب محاضر المحاكم حيث قال السارد مثلا في ختام المجموعة"بناء علي مرسوم شخصي صادر عن المؤلف،شأن جدوي الاستمرار في الحكي،وتطبيقا لمقتضيات صارمة تهم طرق تدبير الكتاب القصص،ثم إغلاق أبواب"مصحة الدمي"بتاريخ الجمعة‮ ‬10‮ ‬أكتوبر‮ ‬2014‭.‬‮ " ‬
إحالات‮: ‬
1‮- ‬أنيس الرافعي‮. ‬مصحة الدمي‮. ‬فتوغرام-حكائي‮. ‬دار العين للنشر‮. ‬2015‭.‬‮ ‬
2‮- ‬دليل الناقد الأدبي‮. ‬د‮. ‬ميجان الرويلي‮. ‬د‮. ‬سعد البازعي‮ . ‬المركز الثقافي العربي‮. ‬الطبعة الثالثة‮. ‬2002‭.‬‮ ‬‮ ‬


Dernière édition par Admin le Sam 12 Déc - 21:32, édité 1 fois

*=*=*=*=*=*=*=*=*=*=*
Aziza Rahmouni.
Un poème est une image de vie
avatar
Admin

Nombre de messages : 6327
loisirs : peinture/dessin/lecture/et bien d\'autres....
Humeur : joyeuse, le plus souvent.
Date d'inscription : 10/01/2008

http://souzsoleil.sosblog.fr/

Revenir en haut Aller en bas

محمد يوب يحلل مصحة الدمى

Message par Admin le Sam 12 Déc - 14:01

حمد يوب* لم يعد بوسع التحليل المعاصر للخطاب الأدبي أن يلامس مورفولوجية النصوص الأدبية؛ لما لهذه النصوص من ارتباط عميق باللسانيات والسميائيات وأشكال البنى الدلالية والأسلوبية، لكننا في هذه الدراسة النقدية سنجرب لعبة التحايل والالتفاف على النظرية النقدية المعاصرة من أجل تفكيك مفصليات “مصحة الدمى” للأديب المغربي أنيس الرافعي لما لها من خصوصية وفرادة التجديد في بنى ومضامين النصوص. واختياري لهذا المنجز القصصي لم يأت من محض الصدفة؛ وإنما جاء نتيجة مواكبة قديمة لأعمال الرافعي المفارقة في عالم السرد القصصي القصير؛ منذ خروجها إلى دائرة الضوء وهي تسارع الزمن من أجل صناعة اتجاه جديد ومغاير للقصة العربية المعاصرة؛ لما أدخله عليها من أبعاد أسطورية وفنية وواقعية سحرية وسرد عجائبي… حقيقة إن القاص عندما يريد الدخول في مغامرة قصصية جديدة فإنه يشعر بنوع من الرعب ويتهيب الكتابة؛ وهذا الشعور بالتهيب هو نوع من الوعي بالكتابة؛ وعندما يعي القاص بالكتابة فهي الكتابة نفسها؛ وهذا التهيب ينتقل بشكل تلقائي إلى القارئ؛ حيث إنني شعرت برهبة وأنا أعانق “مصحة الدمى” غير أنها في لحظة قراءة واعية شعرت بأنها فتحت لي أكثر من هامش؛ والهامش الذي سيج تطلعاتي وكل فضاءاتي هو مسألة التجريب، ذلك أن الرافعي جرب مغامرة جديدة في السرد القصصي؛ مغامرة فريدة ومتميزة؛ نقتطع منها تيمة التوازي السردي مع اللاّسردي؛ حيث النصوص السّردية لا تَنبني بشكل فردي وإنما تنمو وتنهض بشكل متواز ومواكب لنمو نصوص حكائية لا سردية؛ هي عبارة عن فوتوغرامات وأيقونات شطرنجية…؛ وهي تقنية جديدة تعتبر تراكما تجريبيا بعد تجربة الشركة المغربية لنقل الأموات التي تنمو نصوصها بشكل حثيث ومتواز مع ترتيبات ليالي الحضرة. قد يقول قائل إن أنيس الرافعي ينشئ نصين مختلفين الأول حسي حركي نعيشه بحاسة البصر والثاني مجرد تَبْنِيهِ مُخيلة السارد من جهة وتخييل القارئ من جهة أخرى؛ حيث القارئ يجد نفسه وسط أشكال تعبيرية لا سردية؛ وزعها الكاتب في شكل أقسام وأجنحة وكأنه بهذه الأشكال يوجه القارئ إلى الوجهة التي يبتغيها؛ لأن الأشكال التعبيرية اللاّسردية تكون أسهل في تحديدها والتعرف عليها؛ مقارنة بالأشكال السردية المُجَردة؛ وذلك لأن الأعمال اللاّسردية تحيل إلى موضوعات محددة في الواقع أو إلى إحالات خاصة بهذه الموضوعات؛ فهي تثير بداخلنا استجابات؛ سواء أكانت تمثل موضوعات محددة في الواقع أم لا. إن السرد القصصي بهذه الأشكال التعبيرية الجديدة أعطى للبنية القصصية تصاميم مختلفة؛ لأن مثل هذه الأشكال التعبيرية يستجيب لها المتلقي بسهولة؛ ويعتمد في استجابته هذه على تداعيات أو ترابطات معينة ترتبط بثقافته الخاصة؛ وبحمولته القرائية. وعندما نتحدث عن تلقي النصوص القصصية القصيرة فإننا نتحدث عن متلق خاص professionnel “حريفي” يرقى إلى مستوى المادة القصصية؛ لأن الأديب في هذه المجموعة يتوجه بشكل خاص نحو الجديد؛ وبالتالي على المتلقي أن يتوجه بدوره إلى الجديد؛ ويُعد هذا الالتقاء بين الملقي والمتلقي اكتشافا جديدا لما يَصحبُه من متعة جمالية وتفاعل وتقييم؛ لأن العلاقة بين الملقي والمتلقي ضرورية؛ وفرويد في كتاباته لم يذكر أية فروق جوهرية بين المبدع والمتلقي أو بين نشاط الإبداع ونشاط التلقي؛ لأن المتلقي مبدع آخر يعيد النشاط الإبداعي للكاتب بطريقته الخاصة. و الشيء الذي يستفز القارئ في “مصحة الدمى” هو عنصر التخيُّل الذي يعتلي منصة مرموقة في هذه المجموعة القصصية؛ لكونه يؤدي وظيفة مهمة في عملية الكتابة القصصية القصيرة؛ فهو يكثف ويذخر البعد الفني و الجمالي من ناحية؛ ومن ناحية أخرى يخلق حافزا لذى المتلقي؛ ويغذي عنصر التَّخيِيل عنده؛ لانجذابه نحو عوالم منشودة قد تكون ذات صلة بالواقع أو لا تكون؛ مع العلم أن الكتابة القصصية تنطلق من الواقع لتعود إليه؛ بمعنى أن واقعية هذه المجموعة القصصية لا ترغب في الارتباط بالواقع المعيش والمُبتذَل؛ وإنما تهدف الارتقاء إلى واقع مأمول، لأن الكاتب يستمد أحداث قصصه من الواقع المتخيل ويسندها إلى شخصياته في شكل متواليات سردية عميقة تُحاور وتُجاور الواقع؛ لكنها لا تنقله بشكله الآلي وإنما تنقله بشكله الأدبي المرغوب فيه؛ حيث يضفي عليها ما سماه رولان جاكبسون بأدبية العمل الأدبي أي ما يجعل من الأدب أدباً. ونظيف كذلك نقطة إلماعية أخرى هي أن البناء القصصي الذي شيد به أنيس الرافعي هذه المجموعة القصصية يعتبر بناء مختلفا ومُغَايرا؛ فليس ثمة دور للفرد في هذا البناء القصصي؛ الذي يضحي بالنزعة الفردانية في سبيل الرؤية الجماعية؛ حيث الكاتب يتوارى بين السطور؛ ويبدأ في توزيع الأدوار على دُماه في “مصحة الدمى” والدمى في رُكْحِ وفضاءِ هذه المجموعة القصصية هي التي تمسرح نفسها وتبدو للقارئ وكأنها كائنات حية تؤدي أدوارها في حياة السرد وفي بُناه السطحية والعميقة. ونتساءل جميعا من تكون هذه الدمى؟ أهي شخصيات تقليدية مِنْ دم ولحم محجوزة كحالات مرضية في قسم الأشعة؟ أم هي شخصيات ورقية متفلتة؛ تتغير بتغير الأدوار التي تؤديها؛ وتتحرك بِتحرُّك الأحداثِ وتَغَيُّرِ مجرياتها؟ من جهتي أعتبر شخصيات “مصحة الدمى” شخصيات ورقية؛ تواكب مسار السرد الحداثي؛ وتعبر عن رغبة وعشق في هولامية الشخصيات؛ التي تقدم إلى القارئ فارغة وهذا الأخير هو الذي يملؤها بما يناسبها من شحنات إيجابية تخدم العمل القصصصي؛ شخصيات تتمدد وتتمطط بحسب ما يسنده لها الكاتب من أدوار؛ تبدو طيعة مرنة بين أصابعه وكأنها دمى أصابها عطب ما؛ تنتظر دورها من أجل إصلاح هذا العطب؛ دمى بحاجة الى وخزة للعقل لإيقاظه من سباته؛ ويَدٍ تقوم بتصليحها لتساير حركية الزمن، ولا يمكنها التصرف بحرية لأن حريتها مقيدة بشروط وضوابط الكاتب؛ لأنه لا يتسامح من أية هنة أو هفوة صادرة منها. وأخيرا ينبغي أن نسجل نقطة أساسية تُحسب للأديب أنيس الرافعي وهي إيمانُه الشديد بالتمازج الحضاري بين الثقافات والأُمَم؛ ويعتبرها مسألة ضرورة ومهمة؛ لأن ما يجعل للثقافة بعدا مهما هو إنسانيتها؛ وهذا يظهر جليا في تأثره بالسرد القصصي العالمي وهذا شيء إيجابي يكشف عن إنسانية هذا الشكل الأدبي القابل للتلاقح خدمة للقارئ؛ والأديب أنيس الرافعي استوعب جيدا لعبة السرد القصصي عند خوان رولفو وأنيتي وكورتزار وبورخيص وغيرهم من عمالقة السرد القصصي القصير في أمريكا اللاتينية؛ غير أن الرافعي استطاع بمهارة وبحرفية عالية تبييء القصة القصيرة بأن أعطاها صفة “القصة العربية”؛ وبالتالي أصبحت تواكب مستجدات العصر؛ وترقى بذائقة المتلقي العربي الذي سئم السرد الكرونولوجي التعاقبي التقليدي الذي يتتبع الأحداث القصصية وينقلها بشكل متوال يعرف القارئ مسبقا نهاياتِها. *ناقد أدبي - See more at: http://www.azamn.com/?p=294908#sthash.t5qwB3yq.dpuf

*=*=*=*=*=*=*=*=*=*=*
Aziza Rahmouni.
Un poème est une image de vie
avatar
Admin

Nombre de messages : 6327
loisirs : peinture/dessin/lecture/et bien d\'autres....
Humeur : joyeuse, le plus souvent.
Date d'inscription : 10/01/2008

http://souzsoleil.sosblog.fr/

Revenir en haut Aller en bas

عبد الغني فوزي يفحص مصحة الدمى

Message par Admin le Sam 12 Déc - 14:04

الحياة بصورتها الشائكة بين السرد والصورة: مناديل «مصحة الدمى» للقاص المغربي أنيس الرافعي
عبد الغني فوزي
JULY 22, 2015

يعتبر أنيس الرافعي واحدا من فرسان القصة القصيرة اليوم ؛ ليس فقط من خلال استرسال أعماله القصصية، بل لضلوعه في هذا النوع الأدبي، وهو بذلك يختبر الحكي في كل خطوة سردية، استنادا إلى عدة معرفية متعددة المسالك؛ وعلى قلق رؤيوي يسعى إلى كشف ما، من خلال تجربة حياة في القصة، وتجربة القصة في الحياة؛ حياة مركبة، متجددة بالأسئلة والقلق الملازم.
لهذا ينهض كل مؤلف قصصي مع الرافعي على ثيمة وسؤال مركب ومتشعب الداخل إلى ما لا نهاية. في هذه الحالة يتحول أي عمل قصصي لدى القاص أنيس إلى «مختبر» للقياس والاستنتاج، في مواضيع زئبقية، تتعلق أساسا بدواخل السارد وتشخيصه لأزمات على قدر كبير من التراجيدية، ضمن تراجيدية كلية ومشهد عام. وفي المقابل، فحين ينطرح التأليف القصصي على هذه الشاكلة، أي وفق تصميم دقيق ينهض على تبويب وبحث ضمن ورشة، تبدو معها مكونات السرد متخلقة أمامك، بل يمكن للقارئ أن يساهم في بناء عوالمها، بعد تفاعل خلاق مع المداخل والطريقة التي تنبني على خيوط منسوجة بشكل شفيف يؤدي إلى الهتك وتكسير الحدود والقبضات، بما فيها قبضة السرد. أقول حين ينطرح عمل قصصي بهذا الزخم والتشكيل الذي يخفي وراءه جهدا وعرقا. لا بد من جهد آخر، يتمثل في التفكيك والسعي إلى الاقتراب أولا من مختبر القاص؛ والنفخ معه ليس في المزمار نفسه، بل في مزمار آخر يخلق توليفة موسيقية تعمق نغمة الفقد، في أفق فتح باب الاحتمال على مصراعيه.
وهو ما أسعى إلى نهجه مع الكتابة القصصية لدى القاص أنيس الرافعي، أن أواجه تعدده، بتعددي أيضا، وأن تكون الانتقالات موضعية من البنية النصية إلى أخرى فكرية ومعرفية غير منفصلة عن وضعيات ومشاهد المجتمع والمرحلة.
كما سلف، ففي كل مؤلف قصصي لأنيس اشتغال على ثيمة وسؤال، استنادا إلى تقنيات ومعرفة شاملة. وبالتالي، فإنه يفتح القصة على حقول وفنون مكتوبة وبصرية. فتأتي مادة الحكي موزعة، عبر خيوط، تنسج أفقا تأمليا وأدبيا. الشيء الذي دفعني مع هذا العمل
«مصحة الدمى» الصادر مؤخرا عن دار العين المصرية، إلى عرض لوحات، بهدف التفكيك والسعي المضيء إلى الإمساك بالعصارة، التي بالإمكان الظفر بها، بعد مدارج وعرق.
«مصحة الدمى» بدورها، على غرار أخواتها، اختارت ثيمة تتمثل في الدمى بين السرد والصورة. وهي دعوة لإمعان النظر في أدوات الاشتغال، قبل ولوج هذه الإقامة القصصية الشائكة، وقد تصفو قليلا بعد إدراك قوانين اللعب، بالمعنى العميق لكلمة «اللعب». وتتمثل هذه الأدوات في الدمى كمدخل للحكي. والصورة بين الأصل والتخيل، فضلا عن السرد الذي يطرح كنسيج. وقد هيأ القاص لهذا التعدد محتمله الحكائي، تمثل في مصحة تحاكي الأصل؛ لكنها تبتعد عنه في نسج لعالم خاص، يتكون من قسم الإرشادات، ويطرح فيه الكاتب أقوالا موازية، منها ما يتعلق بالصور اللصيقة بالحنين والجذور؛ والآخر منها في توصيف خلاق للدمى التي تتحرر من إطارها المرجعي، وتبدو سابحة بين الأحلام والهواجس والرغبات الممثلة للوجود الإنساني. ورد في «مصحة الدمى» في باب «النسيجة»: «هذا هو المقصود منذ بداية الأمر، أن تصير أسرارك نموذجا يقف أمام آلة مصوب. نموذجا في وضعيات معينة، بأعداد غير محدودة ولا نهائية، مثلما هي وضعيات جولات الشطرنج. هذا هو المقصود عند نهاية الأمر: أن تتساءل مع الحكي، مع الزمن، مع المنظورات، مع الزوايا، مع الضوء، مع العمق، مع الفراغ، مع الملء، مع الصمت، مع الظل، مع ظل اليد، مع الوضعيات، مع الأبيض، مع الأسود، ومع ما بينهما من تدرجات لا مرئية». وبعد ذلك، يأتي ما سماه القاص بـ»فوتومونتاج»ـ سردي يطرح فيه كيفية اشتغاله، لبناء «خلطة» سحرية من خلال «النسيجة» ومدونة الدمى. لتحل توليفة العمل القصصي المعنون بـ»حكايات الفوتوغرام»، وتتضمن أجنحة المصحة وهي: جناح الغصص، جناح الأورام، جناح الهلاوس، جناح العاهات، جناح الشظايا، جناح الفصام، جناح العدم. ليقفل العمل بسجل الصور الفوتوغرافية. في ما يبدو لي بعد هذا العرض، أن مجموعة «مصحة الدمى» تطرح معرفة خلفية متنوعة بين ثقافة الدمى والصورة على تنوعها، فضلا عن المتن القصصي غير الخطي ولا الحدثي، في تكسير للأصول أو تثوير تصوراتها في بناء السرد. وحسنا فعل القاص أنيس الرافعي، في عرض مدونات الاشتغال، لأنه بدونها، ستكون النبتات ـ القصص المحبوكة بكثير من الجهد والعرق، معرضة للرفس والتشويه…
* * *
حين نطرح السؤال الملح: كيف يكتب القاص أنيس الرافعي قصصه؟ تجده إلى جانبك في تعميق السؤال عينه. وهو هنا ينسج قصته، بناء على توليفة من الصورة والسرد، فضلا عن المادة المتمثلة في الدمى. والمتحصل، أنه يطرح في «النسيجة» تأملاته في الكتابة، انطلاقا من مرجع تلك الأدوات، فالدمى متنوعة ومتعددة، تبعا لتعدد أحلام وإسقاطات الإنسان ؛ بل أكثر من ذلك يتم توظيفها كأقنعة في معارك الإنسان. وهو ما يؤكد أن الدمية تتحول بالتحوير والتلازم حد ضياع وذوبان الأصل. ليغدو لكل إنسان دميته. ويبدو، أن تعدد الدمى يقابل ويناظر تعدد الحالات (رغبات، هواجس، أعطاب، قلق …). في هذه الحالة، تتحول الدمية إلى وسيط بين العالم الأول وعالم التخيلات أو الأشباح، إلى حد تتحول معه الأجساد إلى دمى متحررة من مرجعها وواقعها.
ومن الملاحظ، أن استحضار الدمى ومصحتها مر بتأزيم للمفهوم الأصل، بواسطة السؤال القلق، الساعي إلى إيقاف اللغة البشرية أمام عجزها، كأن للبكماوات لغة ثانية ـ بلغة المجموعة ـ تكتشف بالحالة والسفر المبطن بالأسئلة. الشيء الذي يحول الدمى إلى مواد مجهولة بواسطة الصورة كسجل، لكنها نفسها تتحول إلى صور ثانية تبعد اليد. فهذه التأملات في المادة والصورة، ستخلق صورة ثالثة مبطنة بتساؤلات حول الحكي نفسه والمكان والزمان.. ما سيؤدي إلى تعدد الزوايا. ويمكن اعتبار باب «النسيجة» مدونة لعرض تصور الكاتب للقصة في هذا الكتاب الحكائي، فهي بمثابة إقامة مفتوحة على فنون بصرية وحقول معرفية (تأملات، نظريات…). بهذا، فالكاتب يكتب قصة محاورة لما يثوي في الوعي واللاوعي الإنساني، الفردي والجماعي؛ وتحاورية بين مكوناتها الداخلية المتنافرة. ولكنها تلين وفق تشذيب قصصي له ممكناته الجمالية والتخييلية التي بالإمكان نعتها بطريقة خاصة، تأكدت؛ بل ترسخت من خلال منجزها القصصي. إنه (أي القاص) بذلك، يأخذ من الدمى دميته، ومن الصور صورته، ومن السرد حكيه، وينسج «كونه» السردي في قلب العالم المعطوب .
* * *
تنطرح «مصحة الدمى» في هذا الكتاب عبر متن سردي، نعته القاص بـ«حكايات الفوتوغرام»؛ وقد خلق القاص محتملا سرديا يليق بهذه المصحة، التي هي عبارة عن أجنحة تحاكي الأصل في المصحة. لكن سرعان ما تخرق هذا الأصل، لتغدو المصحة غير إسمنتية، مسنودة إلى الحالة المشحونة بالهواجس والأحلام والقلق.. فكانت أجنحة المصحة المتخيلة عبارة عن خانات في معالجة النوازل التي تقع وتخطر في ذات السارد، في قلب المكان والزمان. لهذا، فالحكايات تتخلق أمامنا ليس كتركيب خطي للأحداث، بل يتم الإيهام بما يحدث، في المسار والبرنامج السردي للسارد المطبوع بالانفصال والتجاذب بين الذات والموضوع. وفي الغالب تنطلق كل قصة من حادث ساقط أو مطروح أو مهمل، ليتوغل به السارد، من خلال رحلة تتمثل في تلك التنقلات المشهدية بين العمارة (مسكن السارد)، وفي قلب تلك المشاهد يتم تحريك الدمى. وهي تجنح من دائرتها إلى دائرة الصورة كتمثيل قد يبعد عن أصله الفوتوغرافي إلى آخر مفارق.
هنا يحصل تأليف وتوليف هذا الفوتوغرام القصصي. كأن الأمر يتعلق بانتقالات موضعية، من الدمية إلى الصورة إلى الحكاية التي تطرح تشخيصا لوضعيات السارد الذي لا يستقر على حال أو ملمح، بل متعددا كشخوص عبارة عن تشكيلات تفكير وتأملات بين الظاهر والباطن، بين المرئي واللامرئي. ورد في حكاية «جناح الأورام « هذا الرجل الذي عن لي، ربما توهمت لحظتها أنه من الممكن أن يكون أحدا آخر هو نفسي، يمر من أمامي وأنا ناظره كما لو كان شخصا أخر غيري ولست أنا، أو كما لو كنت أنا غيره ولست هو، كان على الأغلب شبيهي المطابق أو بديلي الغريزي، الذي يزعم أنه نصفي الضائع، ويظهر بين الفينة والأخرى كي يلج حياتي عوضا عني، يزيل أي أثر لذاتي».. في هذه الحالة، لابد من لغة المرايا وتعدد زوايا النظر، لصوغ الحدث الواحد.
فغرفة السارد تتحول إلى أرجوحة أو أداة سفر في الذاكرة الفردية والجماعية، في الشعور واللاشعور.. فكان لكل حدث مهمل أو متلاش امتدادات كأطر خلفية في تاريخ الإنسان، ضمن توارد الحالات وتراسل الحواس، فضلا عن تأملات على أسئلتها المتنوعة، فتتخذ الدمى تمظهرات متلائمة والحالات، إلى حد قد تتحول الدواخل إلى دمية أو دمى. وقد تكون هذه الأخيرة متربعة في أصلها وشجرتها من منظور عادي. نقرأ في حكاية «جناح الشظايا « في الحقيقة لقد رباها طيلة السنين الكثيرة الماضية في ركن دافئ من أعطافه حتى صارت بصنو عمره. وها هو الآن، على مفرق الكهولة، لم يعد يعلم هل هي الدمية الأصلية نفسها التي كان يحتفظ بها بين أشيائه الحميمية الخاصة، بدون أن يجرؤ على كشف سرها لأي كان؟ أم هي دمية أخرى حديثة العهد بالظهور، خرجت خلسة من غفوتها على الضفة المجهولة لوعيه، كي تعوض دميته القديمة بعدما نهب الزمن رونقها مثل صورة فوتوغرافية محروقة؟». والمتحصل أن السارد يسوق حكيه، في تصاعد وتصعيد درامي، يحول القصة إلى مقامات ومدارج، والسارد مجذوبها ولاهثها بين الدوائر التي تأكل نفسها في توالد وتوليد.. ضمن دائرة قد يندغم مبتدأها بمنتهاها.. حكي مبطن بجدليات بين اللغة والصورة، وإمارة الدمى. وبما أن هذه الأخيرة تمثل وجوها إنسانية ـ ولو مقنعة ـ في الواقع والحلم والوجود.. فتبدو قصص الرافعي سفرا في هذه الأحوال بكثير من الشك، وإعادة طرح الأشياء على هياكلها وأساطير تأسيسها من جديد، وفق حمولات السارد المعرفية والنفسية بالأساس. لهذا تحضر عدة أنفاس في هذه القصص في كتابتها، منها النفس التراجيدي المتصاعد والمتنامي، استنادا إلى تصادمات بين الأفكار والأنساق من خلال أصغر الجزئيات اللصيقة بحياة السارد. كأنه يقوم بتدوين قصصي لسيرته، وهنا يحضر النفس الأوتوبيوغرافي بخاصية دقيقة تبدد من التطابق واكتساح المرجع.
* * *
وبعد، هل يمكن توصيف حكايات «مصحة الدمى» بالمناديل؟
يغلب ظني، أن الصلة قوية بين النص والمنديل، فكلاهما نسج وبصمة خاصة؛ يلتقيان في النقطة التي تربط الشيء بالشيء والملمح بالملمح على رقعة ما وضمن أفق طالع. فتتعدد المسارات والكينونات الخفية، وهو ما يؤدي فيضا إلى تمدد وإغناء الواحد ـ الجسد الذي اختار بقوة، النص أصلا وشبيها.
وليس غريبا، أن يربط أسلافنا النص قديما بالنسيج والنسج. فبهذه البلاغة الخاصة، يعتبرون أكثر إصغاء للنص المحاك لغة وتخييلا، النص الذي لم يقو النقد (ولو بمعناه البلاغي) آنذاك على احتوائه أحيانا، على الرغم من أن التلقي زمنه تمثل في إصغاء أذن ترى. النص الذي أتحدث عنه هنا، ليس بالهش أو المصاب في مهده، ولا بمخروم الطبقات والتشكيل؛ بل المحاك كسلسلة تكوين ممتد في اللغة والوعي.. فالنص الرافعي جدير بهذه الصفة كنسج له طريقة خاصة، في توظيق المكونات السردية، هاتكا خصائصها العادية والمتراكمة، فاتحا ومرتادا آفاق طرية، تجعل القصة منفتحة على الخلفيات والعيون البصرية الأخرى، من خلال سارد متعدد الزوايا، يخيط المشاهد والمربعات أو الدوائر بحس دقيق بالمكان والزمان؛ كأنه يطل على العالم من نقطة ما. فيكفي أن يلمس السارد شيئا يمر عليه بالحواس والتأمل حتى يتحول إلى غرائبي، ليس كتقنية فقط، بل كمنظور ورؤية.
إنه الشك القصصي الذي لا يبلع الأشياء والحقائق، بل يعيد خلقها في التوتر المركب الذي لا يفضي لأي نهاية آمنة. في هذه الحالة، فبقدر ما يعذب النص القصصي صاحبه، يعذب القارئ أيضا حتى لا ينام على نظريات ما ..في أفق خلق مصاحبة بين النغمتين، نغمة النص الأول والثاني الموازي.
كاتب مغربي
عبد الغني فوزي

*=*=*=*=*=*=*=*=*=*=*
Aziza Rahmouni.
Un poème est une image de vie
avatar
Admin

Nombre de messages : 6327
loisirs : peinture/dessin/lecture/et bien d\'autres....
Humeur : joyeuse, le plus souvent.
Date d'inscription : 10/01/2008

http://souzsoleil.sosblog.fr/

Revenir en haut Aller en bas

Re: ‬مصحة الدمى مع الناقد محمد رمصيص

Message par Contenu sponsorisé


Contenu sponsorisé


Revenir en haut Aller en bas

Voir le sujet précédent Voir le sujet suivant Revenir en haut

- Sujets similaires

 
Permission de ce forum:
Vous pouvez répondre aux sujets dans ce forum